محمد جمال الدين القاسمي

292

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

لما أن شأنه عليه السلام متعلق بكلا الفريقين من أهل الكتاب الذين نعيت عليهم في السورة الكريمة جناياتهم . فتفصيله أعظم عليهم وأجلب لحسرتهم وندامتهم ، وأدخل في صرفهم عن غيهم وعنادهم . أفاده أبو السعود . اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ أي : منّتي عليك وَعَلى والِدَتِكَ بما طهرها واصطفاها على نساء العالمين إِذْ أَيَّدْتُكَ أي : قوّيتك بِرُوحِ الْقُدُسِ أي : بجبريل عليه السلام لتثبيت الحجة . أو بجعل روحك طاهرة عن العلائق الظلمانية . بحيث يعلم أنه ليس بواسطة البشر ، فيشهد ببراءتك وبراءة أمك . ومن ذلك التأييد قويت نفسك الناطقة . لذلك تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا أي : في أضعف الأحوال وأقواها . بكلام واحد من غير أن يتفاوت في حين الطفولة وحين الكهولة . الذي هو وقت كمال العقل وبلوغ الأشد . قال ابن كثير : أي جعلتك نبيّا داعيا إلى اللّه في صغرك وكبرك . فأنطقتك في المهد صغيرا . فشهدت ببراءة أمك من كل عيب . واعترفت لي بالعبودية . وأخبرت عن رسالتي إياك ودعوتك إلى عبادتي . لهذا قال تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا أي : تدعو إلى اللّه الناس في صغرك وكبرك . وضمن تُكَلِّمُ تدعو ، لأن كلامه الناس في كهولته ليس بأمر عجيب . انتهى . وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ أي : الخط وظاهر العلم الذي يكتب وَالْحِكْمَةَ أي : الفهم وباطن العلم الذي لا يكتب . بل يخص به أهله وَالتَّوْراةَ وهي المنزلة على موسى الكليم عليه السلام وَالْإِنْجِيلَ وهو الذي أنزله عليه ، صلى اللّه عليه وسلم وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ أي : تقدر وتصور منه صورة مماثلة لهيئة الطير بِإِذْنِي أي : لك في ذلك فَتَنْفُخُ فِيها أي : في تلك الهيئة المصورة فَتَكُونُ أي : فتصير تلك الهيئة طَيْراً لحصول الروح من نفختك فيها بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ أي : الذي يولد أعمى مطموس البصر وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى أي : من القبور أحياء بِإِذْنِي فهذا مما فعل به من جرّ المنافع . ثم أشار إلى ما دفع عنه من المضارّ ، فقال سبحانه وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ أي : منعت اليهود الذين أرادوا بك السود وسعوا في قتلك وصلبك ، فنجيتك منهم ورفعتك إليّ وطهرتك من دنسهم إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي : المعجزات التي توجب انقيادهم لك لتعاليها عن قوى البشر فلا يتوهم فيها السحر فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ أي : ما هذا الذي يرينا إلا سحر ظاهر .